بحث في حديث [ لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :

                   
قال ابن حجر في المطالب [4478 ] :
قَالَ الْحَارِثُ : حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا ، ثنا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ ، قَالَ : قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ! إِنَّ الْحَجَّاجَ قَدْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى قَرُبْنَا مِنَ الْعَصْرِ ، فَقُمْ إِلَيْهِ ، وأمره بتقوى الله تعالى ، قَالَ الْحَسَنُ : إِذًا يَقْتُلْنِي ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : أَلَيْسَ قال الله تعالى عَزَّ وَجَلَّ : { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ }  الْآيَةُ .

قَالَ الْحَسَنُ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرَةَ رَضِيَ الله عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ
قَالُوا : وَكَيْفَ يُذِلُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَتَكَلَّفُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ .

قال ابن حجر عقبه : روَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا الْخَلِيلُ ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ الْقُرْدُوسِيِّ عَنِ الحسن البصري أنه حَدَّثَ بِحَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ ، وَالثَّانِي : قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر هذا الْمَتْنَ .اهـ
أقول : الخليل متروك , وقوله [ لا ينبغي للمؤمن ...الخ ] أرسله الحسن عند أبي يعلى

وفي الأوسط للطبراني [ 5357 ] :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ: ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ،: نَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ، فَذَكَرَ شَيْئًا أَنْكَرْتُهُ، فَذَكَرْتُ مَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ .
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟
قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لَمَا لَا يُطِيقُ
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُجَاهِدٍ إِلَّا عَبْدُ الْكَرِيمِ، تَفَرَّدَ بِهِ: وَرْقَاءُ، وَلَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ .اهـ
أقول : تحرفت عبد الكريم إلى ابن أبي نجيح في الكبير وحسنه بعض المعاصرين بالتحريف وعامة المصادر التي مررت عليها اثناء البحث ذكر فيها عبد الكريم إلا الكبير للطبراني .
وعبد الكريم الأقرب أنه ابن أبي المخارق المتروك وليس الجزري الثقة
وورقاء لم يبين من شيخه
وكلاهما يروي عن مجاهد
وروى ورقاء عن عبد الكريم بن أبي المخارق عند الالكائي في السنة [ 2272 ]

وقال الطبراني في الأوسط [ 7898 ] :
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثَنَا الْخَضِرُ، ثَنَا الْجَارُودُ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَعْرِضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدَيثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا إِسْرَائِيلُ، تَفَرَّدَ بِهِ: الْجَارُودُ، وَلَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ
أقول : الخضر هو ابن أصرم مجهول والجارود هو ابن يزيد كذاب , وانظر المؤتلف والمختلف للدارقطني

وقال الإمام أحمد [ 23444 ] :
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدُبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ، قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ ؟
قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ .
قال ابن أبي حاتم في العلل [ 2428] :
وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ ؛ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلابِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جُنْدُبٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَذِلَّ نَفْسَهُ .
قِيلَ : وَكَيْفَ يَذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ : يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يَطِيقُ.
قَالَ أَبِي : قد زاد فِي الإسناد : جندبا وليس بمحفوظ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة ، عَنْ حَمَّاد ، وليس فيه جندب.اهــ
أقول : ابن جدعان ضعيف واختلف عليه وروي عن الحسن من كلامه ومن مرسله

قال البيهقي في الشعب [ 10330 ] :
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ شَوْذَبٍ الْوَاسِطِيُّ بِهَا، نَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، أَظُنُّهُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ .
قَالُوا: كَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟، قَالَ: يَتَعَرَّضُ لِلْبَلَاءِ لِمَا لَا يَقُومُ لَهُ .
هَكَذَا جَاءَ مُرْسَلًا , وَرَوَاهُ أَيْضًا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا.
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ، مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .اهـ

أقول : ورواه أبو يعلى من طريق قطن بن نسير عن جعفر الضبعي المعلى بن زياد عن الحسن مرسلاً

وأما حديث عبد الرزاق فهو في مصنفه [ 20721 ] :
أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لاينبغي لمؤمن أن يذل نفسه قال وكيف يذل نفسه قال يتعرض من البلاء بما لا يطيق
وفي العلل لابن أبي حاتم [1907]:
وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ ؛ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جُنْدُبٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَكَيْفَ يَذِلُّ نَفْسَهُ ، قَالَ : يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يَطِيقُ.
قَالَ أَبِي : هَذَا حَدِيث مُنْكَر.اهـ

ومراسيل الحسن ضعيفة جداً , ولو كانت تصلح في الشواهد فلا شاهد لها هنا إذ كل هذه الطرق ضعيفة جداً

وقال الإمام أحمد : وليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد .اهـ
و قال الإمام الدّارقطنيّ عنها [ كما في: التّهذيب 2/270] : مراسيله فيها ضعف. اهـ
وقال العراقيّ في: [ التّبصرة 1/276] : مراسيل الحسن عندهم شبه الرّيح . اهـ
وفي التمهيد لابن عبد البر : روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان قال ربما حدثنا الحسن بالحديث ثم اسمعه بعد يحدث به فأقول من حدثك يا أبا سعيد فيقول ما أدري غير أني سمعته من ثقة فاقول أنا حدثتك به .
وقال ابن عون قال بكر المزني للحسن وإنا عنده عمن هذه الأحاديث التي تقول فيها قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال عنك وعن ذا .اهـ

وقال الدارقطني في السنن [ 1711 ] :
حدثنا محمد بن مخلد ، حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ، حدثنا علي بن المديني ، سمعت جريرًا ، وذكر عن رجل ، عن عاصم قال قال لي ابن سيرين ما حدثتني فلا تحدثني عن رجلين من أهل البصرة ، عن أبي العالية ، والحسن ، فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا حديثهما .اهــ

وقال الشَّافِعِيُّ كما فِي [ مُسْنَدِهِ ] : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ - يَعْنِي يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ - عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر حديثاً ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ .اهـ

وقال ابن سعد : ما أرسل فليس بحجة .اهـ

وأسند البيهقي إلى الحسن حديثاً بإسناد جيد ثم قال وليس له أصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم


وفي الطيوريات [ 424] : أخبرنا أحمد: حدثنا محمد بن عبدالله بن صالح الأبهري: حدثنا عبدالله بن زيدان بالكوفة: حدثنا عبدالملك بن الوليد البجلي: حدثنا إبراهيم بن عبيدالله الرقي، عن محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فذكره
أقول : محمد بن زياد هو اليشكري الطحان كذاب يضع الحديث.
ثم وجدت له طريقاً أخرى أشبه بالصواب
قال ابن سعد في الطبقات [10050] :
أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ :
قِيلَ لِلْحَسَنِ : أَلاَ تَدْخُلُ عَلَى الأُمَرَاءِ ، فَتَأْمُرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ؟
قَالَ : لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ، إِنَّ سُيُوفَهُمْ لَتَسْبِقُ أَلْسِنَتَنَا ، إِذَا تَكَلَّمْنَا قَالُوا بِسُيُوفِهِمْ هَكَذَا ، وَوَصَفَ لَنَا بِيَدِهِ ضَرْبًا.
عمارة ثقة من أصحاب الحسن كذا قال الإمام أحمد
وهو من كلام الحسن وهو أشبه بالصواب والله أعلم

وعليه فهذا الحديث لا يثبت مرفوعاً إنما هو من كلام الحسن أو مراسيله , والله أعلم ,


 هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم


جميع الحقوق محفوظة لمدونة عبد الله بن سليمان التميمي ©2013-2014 | |